في أعوامي الوظيفية الأولى، لم يكن ليخطر لي على بال أن أكتب عن موقف أو تجربة، أو أن أوثق قصة أو عبرة، ذلك أني في ذلك الحين لم أنظر للأمور على أنها خبرات تستحق التوثيق، ولكني أتذكرها اليوم وأتأمل فيها متمعنا، كيف مر ذلك الأمر في وقته هكذا، دون أن يطول تأملي فيه أو توقفي…
التصنيف: أحاديث النفس
كان الامتحان صعبا، والأستاذ لم يقدم شرحا وافيا للدرس، كما أنه قام بمنح حوافز لبعض الزملاء دون الآخرين، كان بإمكاني أن أكون في مصاف المتفوقين لولا محاباته للبعض. الأساتذة في الجامعة أيضا، يستعرضون قدراتهم العلمية علينا معشر الطلبة، يبتكرون أسئلة تعجيزية يتباهون بها أمام زملائهم الدكاترة، كل ذلك يؤدي إلى هبوط المعدل وضياع الفرص. المقابلة…
كان مجلس الإدارة يعقد اجتماعه الصوري كل ثلاثة أشهر، وقبل كل اجتماع بيومين، ينقلب حال مكتبنا رأسا على عقب، طلبات لا منتهية، ترتيبات وتوصيات، مستندات وتقارير وأرقام لن ينظر فيها أحد، إجراءات تتكرر كل ثلاثة أشهر اعتادت علينا ولم نعتد عليها. أحد السادة أعضاء مجلس الإدارة، رئيس تنفيذي لشركة من كبريات الشركات في البلد، صورته…
بينا كنت أرتب أشيائي، وجدت صندوقا قديما أعرفه وأظنه يعرفني، ولكني قصرت معه أعواما وربما عقودا، أخذته ونفضت عنه غبار الزمن، وجلست، أحتاج أن أجلس حتى أفتح ذلك الصندوق العزيز. فتحته وفتحت معه أمسي بما فيه، رسالة وصلتني بالبريد قبل خمسة وعشرين عاما من صديق افتقد وجودي في حياته، وأذكر أني أرسلت له ردي بالبريد…
مرت أعوام أربعة، ولازلت أحاول، بقدر استطاعتي واجتهادي، أن أقف عند هذا الوقت في هذا التاريخ من كل عام، لأسرد فيه بعضا مما يمكن سرده، ولكني في كل مرة، لا أستطيع، أو، لا أجرؤ! قبل أربعة أعوام، تغير كل شيء، كل شيء بكل ما يعنيه التعبير من معان، تغيرت الكنية المبنية على العرف، لتحل محلها كنية…
قرأت اليوم في أحد حسابات الصحف العربية، أن السلطات تمكنت من القبض على المتهم في الجريمة التي هزت البلاد، وأن التحقيقات المبدئية تؤكد تورطه في الجريمة المذكورة.
منذ ظهوره الأول في مسرح الحياة، استطاع رشدي أن يخطف الأنظار والقلوب، كل يريد الفوز بدور لمداعبته والظفر بابتسامته، في كل أسرة، يجد الطفل الأول مثل هذا وأكثر. رغم أنه يكبرني بأكثر من أربعين عاما، إلا أنني صرت – دون شعور مني – أعتبره صديقا لي مقربا، ورمزا للأمل الذي نشأت عليه، أهتم بتفاصيل حياته…
أذكر ذلك اليوم وكأني حاضر فيه الآن، كنت حينها، ذلك الطفل الذي يحمل المقص، ليقص راعي الحفل – وزير العدل والشؤون الإسلامية السابق رحمه الله – شريط المهرجان، مهرجان كبير استمر أسبوعا، شاركت فيه جمعيات ومؤسسات متنوعة الأهداف والأطياف، ومؤسسات حكومية أيضا وسفارات عربية وإسلامية، كان علم فلسطين مرفوعا في كل زاوية وعلى كل جدار،…
لا أظن أحد الزملاء في دفعتنا يجهل أبا قرجة، الطالب الطويل، أسمر اللون، كثير الضحك وبصوت عال، لا يتحدث إلا ويسمع كل الحاضرين حديثه، لم يسلم من أذيته أحد، كنت أظن “أبا قرجة” لقبا أطلق عليه للتحقير فلم أكن أناديه به – ولم أكن لأناديه أصلا – لكنه كان اسم أبيه، اسمه مختار أبو قرجة،…
نزلت إلى بهو الفندق، بعد يوم تصرمت ساعاته في الأعمال النظرية، واللقاءات الحافلة بالمجاملات، ظننت أني أستحق رشفة من الشاي، أكافئ بها نفسي على أي شيء، أختم بها يومي، ليس ثمة داع لتحديد الهدف هنا، الشاي يُشرب لمجرد المتعة، لأنه (شاي) وحسب. نحن في البحرين وبعض دول الخليج نسميه (چاي)، بالحرف الأعجمي، ويسميه البعض (شاهي)،…
في ليلة من الليالي التي لا تنسى، وفي خضم الامتحانات الفصلية، تعرضت لحادثة ما، كان الأمر عاجلا يستلزم الذهاب للمستشفى فورا، بادر زميل لي بأخذي للمستشفى القريب من السكن الجامعي إذ لم أكن أملك سيارة، نزلت من السيارة مسرعا إلى مكتب استقبال المستشفى، كان موظف الاستقبال من غير أهل البلد، وكانت المرة الأولى التي أحتاج…
سوداء، لا يُعرف لها شأن، نشأت تخدم القوم وتسعى في حاجاتهم، لا أهل ولا مال ولا عون، أرسلها القوم مع فتاة لهم تخدمها، أو تحرسها، أو توصلها إلى حيث شاؤوا، كانت الفتاة تتشح بوشاح أحمر، فوضعته لتغتسل، أو سقط منها ولم تنتبه، فإذا حدأة تخطف الوشاح، تظنه لحما، وتطير به إلى حيث أمرها الله. التمس…
كل المشكلات والخلافات التي تحدث بشكل متكرر في حياتنا، لها مفتاح للحل بسيط، خصوصا، عندما تكون بين المقربين من إخوة وأصدقاء وأزواج وقرابات، مفتاحها المشترك هو الهدية، تُجبر بها الكسور، وتُكسب بها القلوب، أليس كذلك؟ شحنات الكراهية في داخل الإنسان الغاضب تنقلب إلى مشاعر حب وامتنان، فلا يخفى ذلك الانقلاب على قسمات الوجه وكأنه سحر،…
بين الحشود الغفيرة ، كان الفتى “ليل” يخترق الصفوف ويزيح الأكتاف، يعتلي الصخور تارة ويحبو تارة أخرى، يبغي لنفسه موقعا فريدا، يستطيع منه الاستماع إلى الخطاب التاريخي عن قرب، فيشهد الحدث العظيم بكل تفاصيله. “الوزراء، يقفون صفا واحدا، الإيوان يعج بأهل القصر، الخدم والحرس والجواري والغلمان، الأعناق تتطاول والأعين تختلس الأنظار، تغير نظم الصفوف، وساد…
قُضيت الصلاة وانتشر الناس في الأرض، الصخب يعم المكان، كل يلملم نفسه ليغادر، هكذا الحال في سطح الحرم كل يوم بعد كل صلاة قيام، ورغم هذا الصخب وذلك الازدحام، إلا أن شعورا بالهدوء يغمر القلب وكأن عالم الصخب هذا لا ينفذ إلى الأرواح، إنما هو مظهر خارجي، أما الجوهر، فهدوء واطمئنان، وسكينة في القلب وأنس…
هل صليت يوما خلف إمام، وددت – لعذوبة صوته وخشوعه وحسن تلاوته – لو يسترسل في التلاوة فلا يتوقف، مهما طالت صلاته؟ هل تذوقت حلاوة الصلاة خلفه وتمنيت لو كانت صلاتك دائما بتلك الحلاوة والحضور والانتباه؟ هل لاحظت يوما، كيف يبحث الناس في رمضان خصوصا، عن ذلك الإمام الذي يحبّر الآيات تحبيرا، ويعطيها حقها في…
يحصل، أن تستقبل دعوة من شخص ما، لا تعرفه جيدا، أو تعرفه حق المعرفة ولكنك نسيته مع من نسيت من المعارف، دعوة لمناسبة مهمة عنده، كان وجودك فيها بالنسبة له مهما فلم ينس دعوتك، لا شك أن شعورك سيكون مزيجا من الغرابة والسعادة، جميل أنه لا يزال يذكرني، وغريب في الوقت نفسه! أجمل من ذلك،…
وقفت أتأمل المشهد وكأني في مشهد أسطوري من تلك القصص التي تروى للصغار، قصر هائل، لا يرى منه غير واجهته، يتربع على تلة مرتفعة، يغطي الضباب سفحها وأجزاء من أسوار القصر، كيف السبيل إلى هناك؟ لم أهتد للجواب حتى أخبرني المرافق: استعد، ستخوض اليوم تجربة فريدة لدقائق أو سويعات، وستدخل إلى ذلك القصر وكأنك صاحبه.…
يحكي الروائي الأرجنتيني (خريستو فات) في رائعته (برومر) والتي يعني اسمها (الإشاعة)، عن سجن ملحق بمقر شرطة القرية، يقبع فيه مجرمان زج بهما فيه منذ زمن ولا يعلم عن موعد خروجهما أحد، وضعهما مأمور السجن بجواره ليكونا تحت عينيه فلا يتمكنان من الهرب أو الشغب. لم تكن لديهما للترفيه من وسيلة، غير أنهما مع جريان…
قررت الإدارة العليا للمؤسسة التي كنت أعمل بها، تكوين فريق لتطوير العمل وتقويم جودته، وذلك بالتعاون مع متخصصين من خارج المؤسسة، قامت الإدارة باختيار أفراد الفريق من جميع الأقسام، عُين الأستاذ “سيف” قائدا للفريق، وكنت أنا ضمن ذلك الفريق، بترشيح من مدير إدارتنا. الأستاذ سيف، كان جديرا برئاسة الفريق، هو الرجل المناسب في المكان المناسب…