حسين

في أعوامي الوظيفية الأولى، لم يكن ليخطر لي على بال أن أكتب عن موقف أو تجربة، أو أن أوثق قصة أو عبرة، ذلك أني في ذلك الحين لم أنظر للأمور على أنها خبرات تستحق التوثيق، ولكني أتذكرها اليوم وأتأمل فيها متمعنا، كيف مر ذلك الأمر في وقته هكذا، دون أن يطول تأملي فيه أو توقفي عنده؟

بدأت العمل في المؤسسة أنا وزميلي حسين في اليوم نفسه، كلانا يحمل المؤهل الجامعي نفسه، كنا حديثَي عهد بالعمل، لا خبرة عملية تذكر سوى التدريب العملي الذي لا يحتسب في السير الذاتية.

مضت السنوات ونحن معا، نُعاتب معا، نكافأ معا، أخطائي يتحمل حسين اللوم عليها كما أتحمل اللوم على أخطائه، لم يكن ذلك النهج مرضيا لي ولا لحسين، ومع ذلك لم نتكلم يوما أو نعترض، حتى جاء ذلك اليوم.

رئيس القسم الذي كان يشرف علينا، سيغادر الشركة إلى فرصة أخرى، مما يجل مكانه شاغرا، رأت الإدارة أن موظفي القسم أحق من غيرهم بالمنصب، فأصبحت الأنظار علينا أنا وحسين، استدعانا المدير معا وتحدث معنا في الأمر بكل التفاصيل، لم يكن يرى أي فرق بيني وبين حسين، كان مؤمنا أن اختياري للمنصب سيشغل الشاغر، وأن اختيار حسين سيشغل الشاغر، هكذا فقط، لم يكن يعرف عني أي شيء إضافي ولا عن حسين.

الحقيقة، أني كنت أحمل الكثير من أعباء حسين التي لم يكن يقوم بها، كنت نادرا ما أخرج في إجازات مرضية أو سنوية، كنت كثيرا ما أمكث في المكتب بعد ساعات العمل، لم يكن يهتم حسين لكل ذلك، ولكني كنت أداري عليه بمبدأ الفريق الواحد الذي اعتدنا أن نتمسك به، ومع ذلك لم أتكلم عندما وجدت المدير محتارا، ظننت من المروءة أن أترك القرار للمدير حتى لا أصعد على أكتاف زميلي.

غير أن حسين، وفي لحظة الصمت التي ملأها تفكيري، تكلم بصوت عال: سأقبل بالمهمة وأعدك بتقديم الأفضل، ولن يتغير شيء من العطاء الذي كنت تراه من قبل، فأنا وزميلي كما تعلم، على دراية بكل صغيرة وكبيرة في القسم، ونحن خير من يستحق الثقة.

وافق المدير، وأصبح زميلي حسين، رئيسا عليّ في القسم، تغير كل شيء منذ تلك اللحظة، الأعمال التي كنت أقوم بها باسم الصداقة والزمالة، صرت أقوم بها بأوامر من حسين، بل وكان يعاتبني على تقصيري وتأخري في إنجاز الأعمال.

حصلت على فرصة وظيفية أخرى، كان يوم استقالتي عيدا لا أزال أحتفل بذكراه، وقع الخبر على حسين كالصاعقة، قام من مقعده وحاول ثنيي عن قراري، ولكني رأيت في تلك الفرصة بصيص نور للهروب من حسين وليس من المؤسسة، غادرتها، ولا أذكر منها شيئا بقدر الدرس الذي تعلمته من حسين.

21 فبراير 2026