هُبلٌ

كان مجلس الإدارة يعقد اجتماعه الصوري كل ثلاثة أشهر، وقبل كل اجتماع بيومين، ينقلب حال مكتبنا رأسا على عقب، طلبات لا منتهية، ترتيبات وتوصيات، مستندات وتقارير وأرقام لن ينظر فيها أحد، إجراءات تتكرر كل ثلاثة أشهر اعتادت علينا ولم نعتد عليها.

أحد السادة أعضاء مجلس الإدارة، رئيس تنفيذي لشركة من كبريات الشركات في البلد، صورته تتصدر الصحف يوميا، أو أسبوعيا حتى لا ندع للمبالغة متسعا، تصريحاته الرنانة وإنجازاته الأسطورية، أهدافه التي لا سقف لها وطموحه الذي يبدو وكأنه سابق لعصره وزمانه، كان هذا هو فحوى الأخبار أدنى صوره في الصحف.

حضرت مضطرا إلى أحد اجتماعاتهم الثقيلة جدا، لم ينطق منهم أحد معي بكلمة واحدة، أنا الوضيع الصغير الذي لا يمكن أن يرى، بجوار هذه القامات الشامخة التي تصنع اقتصاد البلد!

وصل السيد، رئيس مجلس الإدارة، أبو سلمان، فهبّوا وقوفا، يتقدمون تباعا لمصافحته والنيل بطرف خفي من ابتسامته، وتبعتهم أنا، صافحته أجله الله، وجلست معهم ننتظر بدء الاجتماع.

افتتح الاجتماع السيد عضو المجلس آنف الذكر، بامتداح ثوب السيد رئيس مجلس الإدارة، وذوقه الرفيع في اختيار القماش واللون والتفصيل، وكأنه فستان زفاف وليس مجرد ثوب كالذي نلبسه جميعا، كثير من الهراء بين الافتتاحية والخاتمة، ثم عاد السيد عضو المجلس لامتداح إدارة الرئيس للاجتماع، وحسن إصغائه وعمق توجيهاته.

كان هذا هو الاجتماع الوحيد الذي حضرته في حياتي، لم أحضر بعده أي اجتماع والحمد لله، بعده بأشهر، قرر الملاك تغيير رئيس مجلس الإدارة، وبقي بعض الأعضاء في مناصبهم، منهم صاحبنا، حضر الرئيس الجديد، فامتدحه بمثل ما امتدح أسلافه، يتغير الرؤساء، ويبقى ذلك المنافق في مكانه حتى يومنا هذا، كلما سقط هبلٌ صنع هبلا غيره، حتى لا يخسر مكانه في المجلس، وبالفعل، أفلحت خطته في ملعبه، ولكن، هيهات أن تفلح في الملاعب الأخرى.

11 فبراير 2026