من أجل توثيق المرحلة لا أكثر، قررت ان أدون هذه السطور، لعلي أرجع إليها يوما ما فأحمد الله على تغير الحال، أو أن يرثها أحد ذات يوم، فيذكرني بدعوة تلبي حاجة راحل لم يعد له إلى العمل في الدنيا سبيل.
أذكر جيدا كم كنت أعشق الكتابة وآوي إليها كلما وجدت من الوقت متسعا، بل كنت لا أغمض عيني ليلا إلا بعد كتابة أسطر من الشعر أو النثر، كنت أجد في الكتابة سبيلي إلى نفسي، كنت أرى فيها متنفسي الذي أعبر فيه عن طاقاتي الدفينة، تلك التي لم أستطع إظهارها في مراحل المدرسة أو الجامعة بسبب اختلاف التخصص.
أذكر شغفي العميق بالتصميم ثم المونتاج، كنت أستاذا يرجع إليه المتعلمون في المجال، كنت هكذا دائما، إذا أحببت شيئا، تعمقت فيه حتى لا يكون فيه أحد أعلم مني، أذكر التصاميم التي أبدعتها ولاقت استحسان الجماهير، وأذكر الجماهير الذين وقفوا على بابي يطلبون مني تصاميم لمناسباتهم واحتياجاتهم، أذكر الدروس التي تابعتها باللغة العربية والإنجليزية، وأذكر السعادة التي كانت تغمرني بعد اكتمال كل تصميم، أو عرض كل فيلم.
أذكر أيضا ولعي الشديد بركوب الخيل بعد مرحلة الجامعة، حتى بلغ بي الجنون أن قررت شراء خيل أجعل عليه حارسا في أحد الإسطبلات، وأدفع له مقابل ذلك أتعاب العناية بالخيل وتدريبه وإطعامه، وأحمد الله أني عدلت عن ذلك القرار واكتفيت بجولات متفرقة على ظهر الخيل في الإجازات ونهايات الأسابيع.
في مرحلة ليست بعيدة جدا، عكفت على فهرسة الصوتيات في مكتبتي، وتفرغت لذلك على مدى سنوات، حتى خرجت بأفضل قاعدة بيانات لصوتيات العقود الماضية، أصبَحَت حتى اليوم مرجعا للمهتمين بالمجال، ونشرت المحتوى كله على أحد المواقع العالمية، ولكني خسرت الجهد كاملا بين عشية وضحاها عندما رأى الموقع العالمي أن المحتوى يعارض سياساته، والجيد في الأمر أني لا أزال أحتفظ بنسخة احتياطية من كل ذلك، ويستفيد من البيانات كل سائل يطرق هاتفي مستفسرا أو متشككا في مسألة تتعلق بالمجال.
على مدى أكثر من عشرة أعوام، عشقت السفر وشغفت به، سافرت مع عائلتي الصغيرة والكبيرة، سافرت مع أصدقائي، سافرت وحدي كثيرا، وفي كل رحلة كنت أوثق بعض التفاصيل التي أعود إليها اليوم وأسأل نفسي، كيف فعلت ذلك ومتى فعلت؟ كنت شغوفا بالتعرف على البلدان وثقافاتها، والخروج من دوائر الازدحام إلى المناطق الأبعد، الأرياف والصحاري والمدن النائية، حتى أصل إلى أرض لم يقترحها أحد، بل وجدتها خلال البحث والاطلاع، زرت الهند عشر مرات، وتركيا عشرات المرات، وغيرها من البلدان التي تجولت على خريطتها بدافع الفضول والتعرف، كنت أدون ملاحظاتي عن الأماكن، وأربطها بالصور، وأحيانا أسجل الأصوات وأدمجها مع المقاطع، أنتجت بخبرتي المتواضعة عددا لا بأس به من الأفلام الوثائقية عن المواقع التي زرتها، ونشرتها دون أن أهتم بمشاهداتها، كنت أفعل ذلك لأني أحب أن أفعل، وحسب.
في حياتي الوظيفية، كنت إذا اقترب موعد إجازتي السنوية، بدأت باقتناء الأمتعة والأدوات التي تكتمل معها متعة الإجازة ونشوة السفر، أغير حقيبة الظهر وأتفنن في تجميع أدوات التصوير، أبحث عن الاختراعات التي تجعل التصوير أكثر متعة وسهولة في آن، حتى العطر، أحرص على تخصيصه للرحلة ليرتبط عبقه في ذهني بتلك الرحلة، أحرص على الاستماع لقائمة محددة خلال الرحلة، أكمل على الأقل كتابا واحدا، أكتب على الأقل مقالا واحدا وإن كان قصيرا، أشتري لنفسي هدية وإن كانت بسيطة، للإجازة عندي قدسيتها التي تجعل منها مناسبة تستحق الاستقبال أياما وأسابيع، والتوديع أياما وأسابيع، ثم أعود للعمل نشيطا صافي الذهن مترع الروح، ولا يلبث كل ذلك أن ينتهي في يوم العمل الأول.
أذكر أيضا، أني شغفت بالتصوير فترة، قبل أن يهب الناس في التصوير والكاميرات، كنت أحب التصوير منذ طفولتي، في مرحلة الدراسة الإعدادية، أهدتني والدتي كاميرا فخمة اشترتها هي من قبل، قديمة ولكنها احترافية جدا، لازلت أحتفظ ببعض الصور التي التقطتها بتلك الكاميرا العزيزة التي لا أدري ما فعل الله بها اليوم.
استمر حبي للتصوير حتى عزمت على اقتناء الكاميرا التي تليق بماضيّ العريق في المجال، فاشتريتها بحرّ مالي بعد أعوام من العمل، اشتريتها غالية في الثمن والقدر، واشتريت معها من المعدات التي لا أحتاجها الكثير، وبقيت أحتضنها كلما أخرجتها من حقيبتها، ألمّع عدستها وأحملها كما أحمل طفلي، آخذها معي في جولاتي المحلية وفي سفراتي هنا وهناك، حتى تكوّن لي أرشيف ثري من الصور، أعود إليه كلما تاقت نفسي إلى بعض تلك الأيام، أقلّب الصور، ثم أغلق الملفات وأعود إلى يومي لأتم مهامه والتزاماته.
بعد أعوام، قررت التخلي عن تلك الكاميرا العزيزة، وإهداءها إلى مكان تعطي فيه خيرا من عطائها معي، وقد كان.
أذكر بالإضافة إلى ما سبق، أني أحببت كتابة الشعر مدة ليست قصيرة، والرسم مدة لم تطل، والنشيد الذي كنت لفرط ثقتي بنفسي أظن أني بارع فيه، حتى سجلت بعض الأناشيد ونشرت بعضها، والقراءة في كل المجالات حتى ظن من حولي أني القارئ النهم الذي يُرجع إليه بغية التوجيه والإفادة، ومشاهدة الأفلام وتحليلها، وتأليف القصص وحبكها، والبحث في التاريخ وربطه بالحاضر المعاصر، والاستماع للدورات دون التقيد بمجال محدد، وغير ذلك الكثير.
كل ما سبق، لم يعد في نفسي منه شيء، حتى السفر الذي كنت أظن أنه حاجة من حاجات الحياة، لم يعد لي فيه رغبة، وإن أشار علي أحد بالسفر، اغتمّ قلبي وكأن مصيبة وقعت علي، ثم أنصرف عن الأمر إلى المكوث حيث أنا، في دوامة الحياة التي تستمر في دورانها، حتى تبطئ تدريجيا، أو تصطدم بجدار يعترض دورانها، فيتوقف كل شيء، وتنتهي الحكاية الطويلة، نسأل الله حسن الخاتمة.
عمار
10 ديسمبر 2025